شركات الشحن ترفض المغامرة: “أمن مضيق هرمز” أولاً

اليمن الجديد نيوز | تقارير وتحليلات
في تطور لافت، رفضت شركات الشحن الكبرى المغامرة بسلامة سفنها وطواقمها في مضيق هرمز، متجاهلة حزمة إغراءات مالية وعسكرية ضخمة قدمتها الإدارة الأمريكية. أظهرت هذه الشركات أن أمن مضيق هرمز وسلامة الأرواح تتجاوز أي مكاسب مادية محتملة.
يعتبر مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي. يمر عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي، الذي لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً بحرياً في أضيق نقاطه، نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز الطبيعي المسال يومياً. ومع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية في المنطقة، كادت حركة الملاحة التجارية أن تتوقف بالكامل، ما وضع سلاسل إمداد الطاقة العالمية أمام أزمة حادة.
إغراءات واشنطن لم تغير مسار الشركات
سعت الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، إلى احتواء تداعيات الأزمة. أطلقت واشنطن حزمة إغراءات مالية وعسكرية غير مسبوقة، تمثلت في برنامج إعادة تأمين بحري بقيمة 20 مليار دولار. قدمت “مؤسسة تمويل التنمية” الأمريكية هذا البرنامج، بهدف تشجيع شركات الشحن على استئناف رحلاتها.
قاد وزير الخزانة، سكوت بيسنت، حملة طمأنة للأسواق العالمية. تعهد بيسنت بأن الولايات المتحدة ستستعيد السيطرة الكاملة على المضيق. وعد بتوفير مرافقة عسكرية أمريكية أو متعددة الجنسيات لضمان أمن السفن العابرة. كان الهدف هو خلق مظلة حماية تخفف الضغط على أسعار الطاقة العالمية.
رغم هذا التفاؤل الرسمي وتوفير الغطاء المالي الضخم، اصطدمت طموحات واشنطن بواقع ميداني معقد. شركات الشحن البحري الكبرى ترفض ابتلاع الطعم حتى اللحظة. هي تعتبر أن الضمانات المالية لا تعوض المخاطر الوجودية التي تتهدد طواقمها وأصولها المليارية. هذه الفجوة تكشف عن أزمة ثقة عميقة.
الأمن يتجاوز المال: معضلة أمن الملاحة
المعضلة الأساسية التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز ليست غياب التغطية التأمينية. بل هي مرتبطة بتصاعد مؤشر الخطر إلى مستويات لا يمكن التسامح معها. في “رابطة سوق لويدز” بلندن، قلب التأمين البحري العالمي، تؤكد التقارير أن بوالص التأمين ضد مخاطر الحرب لا تزال متاحة. شركات التأمين الخاصة مستعدة لتغطية الرحلات، لكن هذا لا يكفي.
يشير نيل روبرتس، خبير الشحن في الرابطة، إلى جوهر المشكلة. يوضح أن عزوف السفن نابع بالأساس من تقييم الملاك وربابنة السفن. يرون أن المخاطر على أرواح الطواقم والسفن تفوق قدرة أي تعويض مالي على تغطيتها. هذا التقييم يعكس الأولوية القصوى لسلامة العنصر البشري.
يتجسد هذا القلق بشكل صارخ في موقف شركات إدارة السفن الكبرى. فـ “في.غروب”، التي تشرف على آلاف البحارة ومئات السفن، تواجه تحدياً كبيراً. الأصول البحرية لا تتحرك ذاتياً، والبحارة يمتلكون حقوقاً تكفلها النقابات الدولية. هذه الحقوق تتيح لهم رفض الإبحار في مناطق النزاع المسلح.
يؤكد رينيه كوفود أولسن، الرئيس التنفيذي لـ “في.غروب”، أن الضغوط التجارية لا يمكن أن تساوم على سلامة العنصر البشري. يشكل هذا المبدأ الأخلاقي والقانوني جداراً صلباً. تتحطم عليه كافة المحفزات المالية التي تطرحها واشنطن، مما يؤكد على أهمية أمن الملاحة.
تحديات تشغيلية وتداعيات مستقبلية
إلى جانب التهديد الأمني المباشر، تتفاقم الأعباء التشغيلية على السفن العالقة في مياه الخليج. تتحول فترات الانتظار الطويلة إلى كابوس لوجستي حقيقي. نقص الإمدادات الأساسية، وصعوبة تبديل الطواقم، وارتباك جداول الرسو في الموانئ، كلها عوامل تستنزف الموارد وتزيد من التكاليف.
يبرز هذا الموقف تحدياً عالمياً عميقاً في سلاسل الإمداد. شركات الشحن تعطي الأولوية لسلامة طواقمها وأصولها. هذا يعكس إدراك الصناعة البحرية أن التدخلات الاقتصادية تفقد بريقها عندما تكون لغة النيران هي المهيمنة. لا تزال التطورات المستقبلية حول أمن مضيق هرمز محاطة بالغموض، مما يلقي بظلاله على استقرار أسواق الطاقة العالمية.



